وهبة الزحيلي
231
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ، فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ أي فإذا أتممت خلقه وعدلته وأكملته ، وجعلته حيا بعد أن كان جمادا لا حياة فيه ، فاسجدوا له ، أي سجود التحية والتكريم ، لا سجود العبادة . وهو أمر واجب بالسجود . والنفخ تمثيل لإفاضة مادة الحياة فيه ، فليس هناك نافخ ولا منفوخ . فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ أي فامتثل الملائكة كلهم لأمر اللّه ، وسجدوا عن آخرهم ، ما بقي منهم ملك إلا سجد ، وسجدوا مجتمعين في آن واحد ، لا متفرقين . إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي سجد الملائكة كلهم إلا إبليس امتنع مستكبرا متعاظما ولم يكن من الساجدين ، جهلا منه بأنه طاعة ، وكان استكباره استكبار كفر ، فصار من الكافرين بمخالفة أمر اللّه وأنفته من السجود واستكباره عن طاعة اللّه ، أو إنه كان من الكافرين في علم اللّه . قالَ : يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ، أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ قال اللّه له : يا إبليس ما الذي صرفك وصدك عن السجود لآدم ، الذي توليت بنفسي خلقه من غير واسطة أب وأم ، هل استكبرت عن السجود الآن ، أم أنك كنت من القوم المتعالين عن ذلك ؟ والمراد إنكار الأمرين معا . فأجاب قائلا : قالَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ، خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ ، وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أي إنني خير من آدم ، فإني مخلوق من نار ، وآدم مخلوق من طين ، والنار خير وأشرف من الطين في زعمه ، لما فيها من صفة الارتفاع والعلو ، وأما التراب فهو خامد هابط لا ارتفاع فيه . قالَ : فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ قال اللّه تعالى : فأخرج من الجنة أو